محمد متولي الشعراوي
3912
تفسير الشعراوى
ولو كانت الأشعة تخرج من عين الإنسان لرأى الأشياء سواء أكانت في نور أم في ظلمة ، وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم ، وجاءت من بعد ذلك الصور الفوتوجرافية والسينما . إذن فالنور وسيلة إلى المرئيات . ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على الأقضية المعنوية ؛ فالنور الحسى الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر ، وإما ضوء المصباح ، وإما غير ذلك ، وهذا ما يجعل الإنسان يرى الأشياء ، ومعنى رؤية الإنسان للأشياء أن يتعامل معها تعاملا نفعيا غير ضار . ونحن نضىء المصباح بالكهرباء حين يغيب النور الطبيعي - نور الشمس - وعندما نضىء مصابيحنا نرى الأشياء ونتفاعل معها ولا نحطمها ولا تحطمنا ، وكل واحد منا يأخذ من النور على قدر إمكاناته . إذن كل واحد يضئ المكان المظلم الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي على حسب استطاعته ، فإذا ظهرت الشمس أطفأنا جميعا مصابيحنا ؛ هذا دليل من أدلة الكون الحسيّة الملموسة لنأخذ منها دليلا على أن اللّه إن فعل لقيمنا نورا فلا نأتى بقيم من عندنا ، ما دامت قيمه موجودة . ويوضح اللّه أن الإنسان بدون قيم هو ميت متحرك ، ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية . ويوضح سبحانه لكل إنسان : احرص على الحياة الثانية الخالدة التي لا تنتهى وذلك لا يتأتى الا باتباع المنهج ، وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في هذا الوجود لأنه إن كانت هذه هي غاية الحياة لما أحس الإنسان بالسعادة ؛ لأنه لو كانت الدنيا هي غايتنا للزم أن يكون حظنا من الدنيا جميعا واحدا وأعمارنا واحدة ، وحالاتنا واحدة ، والاختلاف فيها طولا وقصرا وحالا دليل على أنها ليست الغاية ؛ لأن غاية المتساوى لا بد أن تكون متساوية . إذن فقول اللّه هو القول الفصل : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ . . ( 46 ) [ سورة العنكبوت ] فهذه هي الحياة التي لا تضيع منك ولا تضيع منها ، ولا يفوتك خيرها ولا تفوته . إذن فالذي يحيا الحياة الحسية الأولى وهي الحركة بالنفخ في الروح هو ميت متحرك .